أسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يتولاك في الدنيا والآخرة ، وأن يجعلك مباركاً أينما كنت ، وأن يجعلك ممن إذا أُعطي شكر ، وإذا ابتُلي صبر ، وإذا أذنب استغفر ، فإن هؤلاء الثلاث عنوان السعادة.

وازن بين الأمرين

وازن بين الأمرين

للإمام ابن قيم الجوزية رحمه الله

اللذة المحرمة ممزوجة بالقبح حال تناولها، مثمرة للألم بعد انقضائها، فإذا اشتدت الداعية منك إليها ففكر في إنقطاعها، وبقاء قبحها، وألمها، ثم وازن بين الأمرين وانظر ما بينهما من التفاوت.

والتعب بالطاعة ممزوج بالحسن، مثمر للذة والراحة، فإذا ثقلت على النفس ففكر في انقطاع تعبها، وبقاء حسنها، ولذتها، وسرورها، ووازن بين الأمرين، وآثر الراجح على المرجوح، فإن تألمت بالسبب فانظر إلى ما في المسبب من الفرحة والسرور واللذة يهن عليك مقاساته، وإن تألمت بترك اللذة المحرمة فانظر إلى الألم الذي يعقبه ووازن بين الألمين. وخاصية العقل: تحصيل أعظم المنفعتين بتفويت أدناهما، واحتمال أصغر الألمين لدفع أعلاهما.

وهذا يحتاج إلى علم بالأسباب ومقتضياتها وإلى عقل يختار به الأولى والأنفع له منها، فمن وفر قسمه من العقل والعلم أختار الأفضل وآثره، ومن نقص حظه منهما أو من أحدهما اختار خلافه، ومن فكر في الدنيا والآخرة علم أنه لا ينال واحداً منهما إلا بمشقة، فليتحمل المشقة لخيرهما وأبقاهما.

من كتاب إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان لابن القيم الجوزية

الرجل المبارك

الرجل المبارك

منقول من رسالة ابن القيم إلى أحد أخوانه

قال رحمه الله:

إن بركة الرجل تعليمه للخير حيث حل، ونصحه لكل من اجتمع به، قال الله تعالى إخباراً عن المسيح عليه السلام: {واجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ} أي معلماً للخير، داعياً إلى الله، مذكراً به، مرغباً في طاعته، فهذا من بركة الرجل، ومن خلا من هذا فقد خلا من البركة، ومحقت بركة لقائه والاجتماع به، بل تُمحق بركة من لقيه واجتمع به، فإنه يضيع الوقت في الماجَرَيَات [أي: الحوادث والأمور التي جرت أو تجري، مأخوذة من قولهم: جرى ماجرى]، وما يفسد القلب. وكل آفة تدخل على العبد، فسببها ضياع الوقت وفساد القلب، وتعود بضياع حظه من الله، ونقصان درجته ومنزلته عنده؛ ولهذا وصى بعض الشيوخ فقال: احذروا مخالطة من تُضيع مخالطته الوقت، وتُفسد القلب، فإنه متى ضاع الوقت وفسد القلب انفرطت على العبد أموره كلها، وكان مما قال الله فيه: { وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً }.

ومن تأمل حال الخلق، وجدهم كلهم - إلا أقل القليل - ممن غفلت قولبهم عن ذكر الله تعالى، واتبعوا أهواءهم، وصارت أمورهم ومصالحهم {فرطا} أي: فرّطوا فيما ينفعهم ويعود بصلاحهم، واشتغلوا بما لا ينفعهم، بل يعود بضررهم عاجلاً وآجلاً.

وهؤلاء قد أمر الله سبحانه رسولَه ألا يطيعهم، فطاعة الرسول لا تتم إلا بعدم طاعة هؤلاء فإنهم إنما يدعون إلى ما يشاكلهم من اتباع الهوى، والغفلة عن ذكر الله.

والغفلة عن الله والدار الآخرة متى تزوجت باتباع الهوى، تولد بينها كل شر. وكثير ما يقترن أحدهما بالآخر ولا يفارقه.

ومن تأمل فساد أحوال العالم عموماً وخصوصاً، وجده ناشئاً عن هذين الأصلين، فالغفلة تحول بين العبد وبين تصوره الحق ومعرفته والعلم به فيكون من الضالين.

واتباع الهوى يصده عن قصد الحق وإرادته واتباعه، فيكون من المغضوب عليهم.

وأما المنعم عليهم فهم الذين منَّ الله عليهم بمعرفة الحق علماً، وبالانقياد إليه وإيثاره على ما سواه عملاً، وهؤلاء هم الذين على سبيل النجاة ، ومن سواهم على سبيل الهلاك [ قال علي رضي الله عنه: الناس ثلاثة: عالم رباني، ومتعلم على سبيل نجاة، وهمج رعاع أتباع كل ناعق يميلون مع كل ريح لم يستضيئوا بنور العلم ولم يلجئوا إلى ركن وثيق]. ولهذا أمرنا الله سبحانه أن نقول كل يوم وليلة عدة مرات: { اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ . صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ }

فإن العبد مضطر كل الاضطرار إلى أن يكون عارفاً بما ينفعه في معاشه ومعاده، وأن يكون مؤثراً مريداً لما ينفعه، مجتنباً لما يضره. فبمجموع هذين يكون قد هدي إلى الصراط المستقيم. فإن فاته معرفة ذلك سلك سبيل الضالين، وإن فاته قصده واتباعه سلك سبيل المغضوب عيهم. وبهذا يُعرف قدر هذا الدعاء العظيم وشدة الحاجة إليه، وتَوَقُفُ سعادة الدنيا والآخرة عليه.

والعبد مفتقر إلى الهداية في كل لحظة ونَفَس، في جميع ما يأتيه ويذره، فإنه بين أمور لا ينفك عنها:

أحدها: أمور قد أتاها على غير وجه الهداية جهلاً، فهو محتاج إلى أن يطلب الهداية إلى الحق فيها.

أو يكون عارفاً بالهداية فيها، فأتها على غير وجهها عمداً، فهو محتاج إلى التوبة منها.

أو أمور لم يعرف وجه الهداية فيها علماً ولا عملاً، ففاته الهداية إلى علمها ومعرفتها، وإلى قصدها وإرادتها وعملها.

أو أمور قد هُدي إليها من وجه دون وجه، فهو محتاج إلى تمام الهداية فيها.

أو أمور قد هُدي إلى أصلها دون تفاصيلها، فهو محتاج إلى هداية التفصيل.

أو طريق قد هُدي إليها، وهو محتاج إلى هداية أخرى فيها، فالهداية إلى الطريق شيء والهداية في نفس الطريق شيء آخر، ألا ترى أن الرجل يعرف أن طريق البلد الفلاني هو طريق كذا وكذا، ولكن لا يحسن أن يسلكه، فإن سلوكه يحتاج إلى هداية خاصة في نفس السلوك، كالسير في وقت كذا دون وقت كذا، وأخذ الماء من مفازة كذا مقدار كذا، والنزول في موضع كذا دون كذا، فهذه هداية في نفس السير قد يهملها من عارف بأن الطريق هي هذه، فيهلك وينقطع عن المقصود.

وكذلك أيضاً ثمَّ أمور هو محتاج إلى أن يحصل له فيها من الهداية في المستقبل مثل ما حصل له في الماضي.

وأمور هو خال عن اعتقاد حق أو باطل فيها، فهو محتاج إلى هداية الصواب فيها.

وأمور يعتقد أنه فيها على هدى وهو على ظلالة ولا يشعر، فهو محتاج إلى انتقاله عن ذلك الاعتقاد بهداية من الله.

وأمور قد فعلها على وجه الهداية، وهو محتاج إلى أن يهدي غيره إليها ويرشده وينصحه، فإهماله ذلك يُفوِّت عليه من الهداية بحسبه كما أن هدايته للغير وتعليمه ونصحه يفتح له باب الهداية، فإنّ الجزاء من جنس العمل، فكلما هَدى غيره وعلمه هداه الله وعلمه فيصير هادياً مهدياً، كما في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم الذي رواه الترمذي وغيره: ( اللهم زينا بزينه الإيمان، واجعلنا هداة مهتدين ...)

منقول من رسالة ابن القيم إلى أحد أخوانه

أقسام مخالطة الناس

أقسام مخالطة الناس

ذكر ابن القيم رحمه الله في كتابه "بدائع الفوائد" عشرة أسباب يعتصم بها العبد من الشيطان (تُراجع للأهمية) وذكر منها:

الحرز العاشر: إمساك فضول النظر والكلام والطعام ومخالطة الناس فإن الشيطان إنما يتسلط على ابن آدم وينال منه غرضه من هذه الأبواب الأربعة... ثم قال:

إن فضول المخالطة هي الداء العضال، الجالب لكل شر، وكم سلبت المخالطة والمعاشرة من نعمة، وكم زرعت من عداوة، وكم غرست في القلب من حزازات تزول الجبال الراسيات وهي في القلوب لا تزول، ففضول المخالطة فيه خسارة الدنيا والآخرة، وإنما ينبغي للعبد أن يأخذ من المخالطة بمقدار الحاجة، ويجعل الناس فيها أربعة أقسام، متى خلط أحد الأقسام بالآخر ولم يميز بينهما دخل عليه الشر:

أحدها: منْ مخالطته كالغذاء لا يستغنى عنه في اليوم والليلة، فإذا أخذ حاجته منه ترك الخلطة، ثم إذا احتاج إليه خالطه، هكذا على الدوام، وهذا الضرب أعز من الكبريت الأحمر: وهم العلماء بالله تعالى وأمره ومكايد عدوه وأمراض القلوب وأدويتها، الناصحون لله تعالى ولكتابه ولرسوله ولخلقه، فهذا الضرب في مخالطتهم الربح كله.

القسم الثاني: من مخالطته كالدواء؛ يحتاج إليه عند المرض فما دمت صحيحا فلا حاجة لك في خلطته، وهم من لا يستغنى عنه مخالطتهم في مصلحة المعاش، وقيام ما أنت محتاج إليه؛ من أنواع المعاملات والمشاركات والاستشارة والعلاج للأدواء ونحوها، فإذا قضيت حاجتك من مخالطة هذا الضرب بقيت مخالطتهم من:

القسم الثالث: وهم من مخالطته كالداء، على اختلاف مراتبه وأنواعه وقوته وضعفه، فمنهم من مخالطته كالداء العضال، والمرض المزمن؛ وهو من لا تربح عليه في دين ولا دنيا، ومع ذلك فلا بد من أن تخسر عليه الدين والدنيا أو أحدهما، فهذا إذا تمكّنت مخالطته واتصلت فهي مرض الموت المخوف، ومنهم من مخالطته كوجع الضرس، يشتد ضربا عليك فإذا فارقك سكن الألم، ومنهم من مخالطته حمى الروح؛ وهو الثقيل البغيض العقل، الذي لا يحسن أن يتكلم فيفيدك، ولا يحسن أن ينصت فيستفيد منك، ولا يعرف نفسه فيضعها في منزلتها، بل إن تكلم فكلامه كالعصي تنزل على قلوب السامعين، مع إعجابه بكلامه، وفرحه به فهو يحدث من فيه كلما تحدث ويظن أنه مسك يطيب به المجلس، وإن سكت فأثقل من نصف الرحى العظيمة التي لا يطاق حملها ولا جرها على الأرض، ويذكر عن الشافعي رحمه الله أنه قال: "ما جلس إلى جانبي ثقيل إلا وجدت الجانب الذي هو فيه أنزل من الجانب الآخر" ورأيت يوما عند شيخنا قدس الله روحه رجلا من هذا الضرب والشيخ يحمله وقد ضعف القوى عن حمله فالتفت إلي وقال: "مجالسة الثقيل حمى الربع ثم قال: لكن قد أدمنت أرواحنا على الحمى فصارت لها عادة" أو كما قال، وبالجملة فمخالطة كل مخالف حمى للروح، فعرضية ولازمة، ومن نكد الدنيا على العبد أن يبتلى بواحد من هذا الضرب وليس له بد من معاشرته ومخالطته فليعاشره بالمعروف حتى يجعل الله له فرجا ومخرجا.

القسم الرابع: من مخالطته الهلك كله، ومخالطته بمنزلة أكل السم، فإن اتفق لأكله ترياق وإلا فأحسن الله فيه العزاء، وما أكثر هذا الضرب في الناس لا كثرهم الله وهم أهل البدع والضلالة الصادون عن سنة رسول الله الداعون إلى خلافها {الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً} فيجعلون البدعة سنة، والسنة بدعة، والمعروف منكرا والمنكر معروفا، إن جردت التوحيد بينهم قالوا: تنقصت جناب الأولياء والصالحين، وإن جردت المتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: أهدرت الأئمة المتبوعين، وإن وصفت الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله من غير غلو ولا تقصير قالوا: أنت من المشبهين، وإن أمرت بما أمر الله به ورسوله من المعروف ونهيت عما نهى الله عنه ورسوله من المنكر قالوا: أنت من المفتنين، وإن اتبعت السنة وتركت ما خالفها قالوا: أنت من أهل البدع المضلين، وإن انقطعت إلى الله تعالى وخليت بينهم وبين جيفة الدنيا قالوا: أنت من الملبسين، وإن تركت ما أنت عليه واتبعت أهواءهم فأنت عند الله تعالى من الخاسرين وعندهم من المنافقين، فالحزم كل الحزم التماس مرضاة الله تعالى ورسوله بإغضابهم، وأن لا تشتغل بإعتابهم ولا باستعتابهم، ولا تبالي بذمهم ولا بغضبهم، فإن عين كمالك كما قال:

وإذا أتتك مذمتي من ناقص .... فهي الشهادة لي بأني فاضل

وقال آخر:

وقد زادني حبا لنفسي أنني .... بغيض إلى كل امريء غير طائل

فمن كان بواب قلبه وحارسه من هذه المداخل الأربعة التي هي أصل بلاء العالم؛ وهي فضول النظر، والكلام، والطعام، والمخالطة، واستعمل ما ذكرناه من الأسباب التسعة التي تحرزه من الشيطان؛ فقد أخذ بنصيبه من التوفيق، وسد على نفسه أبواب جهنم، وفتح عليها أبواب الرحمة، وانغمر ظاهره وباطنه، ويوشك أن يحمد عند الممات عاقبة هذا الدواء، فعند الممات يحمد القوم التقي، وعند الصباح يحمد القوم السرى، والله الموفق، لا رب غيره، ولا إله سواه.

ملخص أقسام المخالطة:

مخالطة واجبة أو مستحبة: وهي للعلماء.

مخالطة للضرورة: وهي لمن لا يستغنى عنه لقضاء الحوائج ...

مخالطة عرضية لازمة: فيعاشر بالمعروف حتى يجعل الله لك فرجاً ومخرجاً.

مخالطة محرمة أو مكروهة: وهي لأهل البدع.

بدائع الفوائد" ص 274

الفتوى المنهجية للدعوة الشرعية

الفتوى المنهجية للدعوة الشرعية(1)

لشيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس ابن تيمية رحمه الله

نص السؤال:

سئل إمام الأئمة ورباني الأمة شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحراني قدس الله روحه ونور ضريحه :

عن (( جماعة )) يجتمعون على قصد الكبائر: من القتل ، وقطع الطريق، والسرقة، وشرب الخمر، وغير ذلك .

ثم إن شيخاً من المشايخ المعروفين بالخير واتباع السنة قصد منع المذكورين من ذلك، فلم يمكنه إلاّ أن يقيم لهم سماعا(2) يجتمعون فيه بهذه النية، وهو بدف بلا صلاصل، وغناء المغني بشعر مباح بغير شبابة، فلما فعل هذا تاب منهم جماعة ، وأصبح من لا يصلي ويسرق ولا يزكي يتورع عن الشبهات، ويؤدي المفروضات، ويجتنب المحرمات.

فهل يباح فعل هذا السماع لهذا الشيخ على هذا الوجه، لما يترتب عليه من المصالح؟ مع أنه لا يمكنه دعوتهم إلاّ بهذا ؟ .

وقبل إيراد جواب ابن تيمية ألفت نظر القارئ الكريم إلى أن هذه الواقعة التي أفتى فيها ابن تيمية بهذه الفتوى القوية جمعت أموراً:

الأول/ سوء حال المدعوين قبل هدايتهم بأن كانوا مرتكبين لذنوب كبائر متعدية كالقتل وسرقة المال وقطع الطرق.

الثاني/ صلاح الداعية بأن كان شيخاً معروفاً بالخير واتباع السنة.

الثالث/ أنه قصد من فعله الخير.

الرابع/ لم يمكنه إلا اتخاذ هذه الطريقة لهدايتهم.

الخامس/ أنه لم يقع معهم في محرمات كبائر وإنما دف بلا صلاصل وغناء بشعر مباح بغير شبابة.

السادس/ أنه ترتب على هذه الطريقة مصلحة كبيرة وخير عظيم.

ومع هذا كله لم تغلب ابن تيمية عاطفته ولم ينكسر لها، بل بنى فتواه على الأدلة الشرعية والقواعد المرعية فكان حكمه في هذه الواقعة ما سترى.

نـص الإجـابـة :

. الدين مكتمـل (3)

الحمد لله رب العالمين،

أصل جواب هذه المسألة وما شابهها أن يعلم أن الله بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بالهدى، ودين الحق، ليظهره على الدين كله، وكفى بالله شهيدا (4)، وأنه أكمل له ولأمته الدين، كما قال تعالى: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الْإِسْلَامَ دِينًا (5) [المائدة: 3]

وأنه بشر بالسعادة لمن أطاعه، والشقاوة لمن عصاه، فقال تعالى: ﴿ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا [النساء: 69]

وقال تعالى: ﴿ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا (6) [الجن: 23] .

. لا بد من الرجوع عند التنازع إلى الكتاب والسنة

وأمر الخلق أن يردوا ما تنازعوا فيه من دينهم إلى ما بعثه به ، كما قال تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (7) [النساء: 59] .

. كيفية دعوة النبي صلى الله عليه وسلم

وأخبر أنه يدعو إلى الله وإلى صراطه المستقيم ، كما قال تعالى :-

﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي [يوسف: 108] .

وقال تعالى: ﴿ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ۝ صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ [الشورى: 52، 53].

وأخبر أنه يأمر بالمعروف ، وينهى عن المنكر ، ويحل الطيبات ويحرم الخبائث، كما قال تـعالى : ﴿ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ ۝ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوف وَيَنْهَاهُمْ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ [الأعراف: 156، 157].

وقد أمر الله الرسول صلى الله عليه وسلم بكل معروف، ونهى عن كل منكر، وأحل كل طيب، وحرم كل خبيث، وثبت عنه صلى الله عليه وسلم في الصحيح أنه قال: « ما بعث الله نبيا إلاّ كان حقا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينهاهم عن شر ما يعلمه لهم» (8).

وثبت عن العرباض بن سارية رضي الله عنه قال: وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون ، قال : فقلنا: يا رسول الله! كأن هذه موعظة مودع، فماذا تعهد إلينا فقال: « أوصيكم بالسمع والطاعة ، فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة».

وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: « ما تركت من شيء يبعدكم عن النار إلاّ وقد حدثتكم به ».

وقال صلى الله عليه وسلم: « تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلاّ هالك ».

وشواهد هذا الأصل العظيم الجامع من الكتاب والسنة كثيرة ، وترجم عليه أهل العلم في الكتب:(كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة ) كما ترجم عليه البخاري والبغوي وغيرهما – رحمهم الله - ، فمن اعتصم بالكتاب والسنة كان من أولياء الله المتقين ، وحزبه المفلحين ، وجنده الغالبين ، وكان السلف كمالك وغيره - رحمهم الله - يقولون :

( السنة كسفينة نوح من ركبها نجا ، ومن تخلف عنها غرق ).

وقال الزهري-رحمه الله -:-

( كان من مضى من علمائنا يقولون : الاعتصام بالسنة نجاة ).

. كيف ندعو الناس وبماذا ؟

إذا عرف هذا فمعلوم إنما يهدي الله به الضالين، ويرشد به الغاوين، ويتوب به على العاصين، لا بد أن يكون فيما بعث الله به رسوله من الكتاب والسنة، وإلاّ فإنه لو كان ما بعث الله به الرسول صلى الله عليه وسلم لا يكفي في ذلك لكان دين الرسول ناقصا، محتاجا تتمة، وينبغي أن يعلم أن الأعمال الصالحة أمر الله بها أمر إيجاب أو أمر استحباب، والأعمال الفاسدة نهى الله عنها.

والعمل إذا اشتمل على مصلحة ومفسدة، فإن الشارع حكيم، فإن غلبت مصلحته على مفسدته شرعه، وإن غلبت مفسدته على مصلحته لم يشرعه، بل نهى عنه كما قال تعالى: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [البقرة: 216].

وقال تعالى: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنْ الْخَمْرِ وَالْميْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا [البقرة:219] ولهذا حرمهما الله تعالى بعد ذلك .

. ما ليس بوسيلة شرعية فضرره أعظم من نفعه

وهكذا ما يراه الناس من الأعمال مقربا إلى الله ولم يشرعه الله ورسوله فإنه لا بد أن يكون ضرره أعظم من نفعه ، وإلاّ فلو كان نفعه أعظم غالبا على ضرره لم يهمله الشارع، فإنه صلى الله عليه وسلم حكيم لا يهمل مصالح الدين ولا يفوت المؤمنين ما يقربهم إلى رب العالمين .

. طريقة الشيخ المذكورة وأمثاله تدل على الجهل بالطرق الشرعية

إذا تبين هذا فنقول للسائل : إن الشيخ المذكور قصد أن يتوب المجتمعين على الكبائر فلم يمكنه ذلك إلاّ بما ذكره من الطريق البدعي يدل أن الشيخ جاهل بالطرق الشرعية التي بها تتوب العصاة، أو عاجز عنها ، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين كانوا يدعون من هو شر من هؤلاء من أهل الكفر والفسوق والعصيان بالطرق الشرعية ، التي أغناهم الله بها عن الطرق البدعية .

فلا يجوز أن يقال: إنه ليس في الطرق الشرعية التي بعث الله بها نبيه ما يتوب به العصاة، فإنه قد علم بالاضطرار والنقل المتواتر أنه قد تاب من الكفر والفسوق والعصيان من لا يحصيه إلاّ الله تعالى من الأمم بالطرق الشرعية ، التي ليس فيها ما ذكر من الاجتماع البدعي، بل السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان – وهم خير أولياء الله المتقين من هذه الأمة – تابوا إلى الله تعالى بالطرق الشرعية ، لا بهذه الطرق البدعية ، وأمصار المسلمين وقراهم قديما وحديثا مملوءة ممن تاب إلى الله واتقاه، وفعل ما يحبه الله ويرضاه بالطرق الشرعية ، لا بهذه الطرق البدعية .

فلا يمكن أن يقال: إن العصاة لا تمكن توبتهم إلاّ بهذه الطرق البدعية، بل قد يقال: إن في الشيوخ من يكون جاهلا بالطرق الشرعية، عاجزا عنها، ليس عنده علم بالكتاب والسنة وما يخاطب به الناس، ويسمعهم إياه، مما يتوب الله عليهم، فيعدل هذا الشيخ [وأمثاله] عن الطرق الـشرعية إلـى الطرق البدعية، إما مع حسن القصد إن كان له دين، وإما أن يكون غرضه الترأس عليهم، وأخذ أموالهم كما قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنْ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [التوبة: 34]، فلا يعدل أحد عن الطرق الشرعية إلى البدعية إلاّ لجهل أو عجز أو غرض فاسد.

. إسماع الناس القرآن ليتوبوا خير من إسماعهم الأناشيد وأمثالها ليتوبوا

وإلاّ فمن المعلوم أن سماع القرآن هو سماع النبيين والعارفين والمؤمنين، قال تعالى في النبيين: ﴿ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا [مريم: 58].

وقال تعالى في أهل المعرفة : ﴿ وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنْ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنْ الْحَقِّ [المائدة: 83 ] .

وقال تعالى في حق أهل العلم: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا ۝ وَيَقُولُونَ سُبـْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا ۝ وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا [الإسراء: 107: 109].

وقال في المؤمنين: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًَا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ۝ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * أُوْلَئِـكَ هُمْ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا [الأنفال: 2، 3].

وقال تعالى: ﴿ اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُـهُمْ إِلَى ذِكْـرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ [الزمر: 23] .

. هدى الله العباد بسماع القرآن

وبهذا السماع هدى الله العباد، وأصلح لهم أمر المعاش والمعاد، وبه بعث الرسول صلى الله عليه وسلم، وبه أمر المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان، وعليه كان يجتمع السلف كما كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اجتمعوا أمروا رجلا منهم أن يقرأ وهم يسمعون .

وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول لأبي موسى رضي الله عنه:-( ذكّرنا ربنا) . فيقرأ أبو موسى وهم يسمعون.

وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه مرّ بأبي موسى الأشعري رضي الله عنه وهو يقرأ ، فجعل يستمع لقراءته. وقال: « لقد أوتي هذا مزماراً من مزامير آل داود ». وقال : « مررت بك البارحة وأنت تقرأ فجعلت استمع لقراءتك » فقال :( لو علمت أنك تسمعني لحبرته لك تحبيرا ) أي لحسنته لك تحسينا .

وفي الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم قال لابن مسعود: « اقْرَأْ عَلَيَّ القرآن » قال: ( أقرأ عليك وعليك أنزل؟!) فقال: « فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي » فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ سُورَةَ النِّسَاءِ حَتَّى بَلَغْتُ : ﴿ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا قَالَ: « حسبك » فنظرت إليه فإذا عيناه تذرفان من البكاء.

وعلى هذا السماع كان يجتمع القرون الذين اثني عليهم النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال :

« خير القرون الذين بعثت فيهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم » .

. السماع بدعة وكذلك ما كان على مثله من الأناشيد العصرية

ولم يكن في السلف الأول سماع يجتمع عليه أهل الخير إلاّ هذا، لا بالحجاز ولا باليمن ولا بالشام ولا بمصر والعراق وخراسان والمغرب، وإنما حدث السماع المبتدع بعد ذلك، وقد مدح الله أهل هذا السماع المقبلين عليه، وذم المعرضين عنه، وأخبر أنه سبب الرحمة، فقال تعالى: ﴿ وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [الأعراف: 204]، وقال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا [الفرقان: 73]، وقال تعالى: ﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنْ الْحَقِّ [الحديد: 16] ، وقال تعالى: ﴿ وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْـمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ [الأنفال: 23].

وقال تـعالى: ﴿ فَمَا لَهُمْ عَنْ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ ۝ كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ ۝ فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ [المدثر: 51] ، وقال تعالى: ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ [الكهف: 57]

وقال تعالى: ﴿ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هدًى فَمَنْ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى ۝ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ۝ قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرً ۝ قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى [طه: 126].

ومثل هذا في القرآن كثير يأمر الناس باتباع ما بعث الله به رسوله من الكتاب والحكمة، ويأمرهم بسماع ذلك . وقد شرع الله تعالى السماع للمسلمين في المغرب والعشاء والفجر قال تعالى: ﴿ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا [الإسراء: 78].

وبهذا مدح عبد الله بن رواحة رضي الله عنه النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال :-

وفينا رسول الله يتــلو كتابه ... إذا انشق معروف من الفجر ساطع

يبيت يجافي جنبه عن فراشــه ... إذا استثقلت بالكافرين المضاجـع

أتى بالهدى بعد العمى فقلوبنا به ... موقـــنات أنما قــال واقع

وأحوال أهل هذا السماع مذكورة في كتاب الله، من وجل القلوب ودمع العيون، واقشعرار الجلود، وإنما حدث سماع الأبيات بعد هذه القرون، فأنكره الأئمة…

. طرق الملبسين في سؤال أهل العلم

وقول السائل وغيره : هل هو حلال ؟ أو حرام ؟ لفظ مجمل فيه تلبيس يشتبه الحكم فيه حتى لا يحسن كثير من المفتين تحرير الجواب فيه وذلك أن الكلام في السماع وغيره من الأفعال على ضربين:

أحدهما: أنه هل هو محرم ؟ أو غير محّرم ؟ بل يفعل كما يفعل سائر الأفعال التي تلتذ بها النفوس، وإن كان فيها من اللهو واللعب كسماع الأعراس وغيرها مما يفعله الناس لقصد اللذة واللهو لا لقصد العبادة والتقرب إلى الله .

والنوع الثاني : أن يفعل على وجه الديانة والعبادة وصلاح القلوب وتجريد حب العبادة لربهم وتزكية نفوسهم وتطهير قلوبهم، وان تحرك من القلوب الخشية والإنابة والحب ورقة القلوب وغير ذلك مما هو من جنس العبادات والطاعات، لا من جنس اللعب والملهيات.

فيجب الفرق بين سماع المتقربين، وسماع المتلعبين، وبين السماع الذي يفعله الناس في الأعراس والأفراح ونحو ذلك من العادات، وبين السماع الذي يفعله لصلاح القلوب، والتقرب إلى رب السماوات، فإن هذا يسأل عنه: هل هو قربة وطاعة ؟ وهل هو طرق إلى الله ؟ وهل لهم بد من أن يفعلوه لما فيه من رقة قلوبهم، ونحو ذلك من المقاصد التي تقصد بالسماع ؟ كما أن النصارى يفعلون مثل هذا السماع في كنائسهم على وجه العبادة والطاعة لا على وجه اللهو واللعب.

إذا عرف هذا، فحقيقة السؤال: هل يباح للشيخ أن يجعل هذه الأمور التي هي: إما محرمة أو مكروهة أو مباحة قربة وعبادة وطاعة وطريقة إلى الله يدعو بها إلى الله، ويتوب العاصين ويرشد به الغاوين ويهدي به الضالين ؟.

ومن المعلوم أن الدين له أصلان فلا دين إلاّ ما شرع الله، ولا حرام إلاّ ما حرمه الله،والله تعالى عاب على المشركين أنهم حرموا ما لم يحرمه الله ، وشرعوا دينا لم يأذن به الله.

ولو سئل العالم عمن يعدو بين جبلين: هل يباح له ذلك ؟ قال : نعم. فإذا قيل: إنه على وجه العبادة كما يسعى بين الصفا والمروة ، قال : إن فعله على هذا الوجه حرام منكر، يستتاب فاعله فإن تاب وإلاّ قتل .

ولو سئل عن كشف الرأس ولبس الإزار والرداء ، أفتى بأن هذا جائز. فإن قيل: إنه يفعله على وجه الإحرام كما يحرم الحاج، قال : إن هذا حرام منكر.

ولو سئل عمن يقوم في الشمس، قال: هذا جائز، فإن قيل: إنه يفعله على وجه العبادة ! قال: هذا منكر، كما روى البخاري –رحمه الله – عن ابن عباس- رضي الله عنهما- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا قائما في الشمس، فقال: « من هذا » قالوا: (هذا أبو أسرائيل يريد أن يقوم في الشمس، ولا يقعد ولا يستظل، ولا يتكلم). فقال صلى الله عليه وسلم: « مروه فليتكلم، وليجلس، وليستظل، وليتم صوم ». فهذا لو فعله لراحة، أو غرض مباح لم ينه عنه، لكن لما فعله على وجه العبادة نهي عنه. وكذلك لو دخل الرجل إلى بيته من خلف البيت، لم يحرم عليه ذلك، ولكن إذا فعل ذلك على أنه عبادة، كما كانوا يفعلون في الجاهلية، كان أحدهم إذا أحرم لم يدخل تحت سقف، فنهوا عن ذلك كما قال تعالى: ﴿ وَلَيْـسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا [البقرة: 189] فبين سبحانه أن هذا ليس ببر، وإن لم يكن حراما، فمن فعله على وجه البر والتقرب إلى الله كان عاصيا، مذموما، مبتدعا، والبدعة أحب إلى إبليس من المعصية، لأن العاصي يعلم أنه عاص فيتوب، والمبتدع يحسب أن الذي يفعله طاعة فلا يتوب .

ولهذا من حضر السماع للعب واللهو لا يعده من صالح عمله ولا يرجوا به الثواب، وأما من فعله على أنه طريق إلى الله تعالى فإنه يتخذه دينا ، وإذا نهى عنه كمن نهى عن دينه، ورأى أنه قد انقطع عن الله وحرم نصيبه من الله تعالى إذا تركه، فهؤلاء ضلاّل باتفاق علماء المسلمين، ولا يقول أحد من أئمة المسلمين: إن اتخاذ هذا دينا وطريقا إلى الله تعالى أمر مباح، بل من جعل هذا دينا وطريقا إلى الله تعالى فهو ضال، مفتر، مخالف لإجماع المسلمين ومن نظر إلى ظاهر العمل وتكلم عليه، ولم ينظر إلى فعل العامل ونيته كان جاهلا متكلما في الدين بلا علم .

. تصحيح سؤال السائل

فالسؤال عن مثل هذا أن يقال: هل ما يفـعله هؤلاء طريق وقربة وطاعة لله تعالى يحبها الله ورسوله أم لا ؟ وهل يتابعون على ذلك أم ؟ وإذا لم يكن هذا قربة وطاعة وعبادة لله ففعلوه على أنه قربة وطاعة وعبادة وطريق إلى الله تعالى هل يحل لهم هذا الاعتقاد ؟ وهذا العمل على هذا الوجه ؟

وإذا كان السؤال على هذا الوجه لم يكن للعالم المتتبع للرسول صلى الله عليه وسلم أن يقول : إن هذا من القرب والطاعات ، وأنه من أنواع العبادات ، وأنه من سبيل الله تعالى وطريقه الذي يدعو به هؤلاء إليه ، ولا أنه مما أمر الله تعالى به عباده : لا أمر إيجاب ، ولا أمر استحباب. ولم يكن من الواجبات والمستحبات فليس هو محمودا ، ولا حسنة ، ولا طاعة ولا عبادة باتفاق المسلمين.

فمن فعل ما ليس بواجب ولا مستحب على أنه من جنس الواجب أو المستحب فهو ضال مبتدع، وفعله على هذا الوجه حرام بلا ريب، لا سيّما كثير من هؤلاء الذين يتخذون هذا السماع المحدث طريقا يقدمونه على سماع القرآن وجدا وذوقا، وربما قدموه عليه اعتقادا، فتجدهم يسمعون القرآن بقلوب لاهية، وألسن لاغية، وحركات مضطربة، وأصوات لا تقبل عليه قلوبهم، ولا ترتاح إليه نفوسهم، فإذا سمعوا المكاء والتصدية أصغت القلوب، واتصل المحبوب بالمحب، وخشعت الأصوات، وسكنت الحركات، فلا سعلة، ولا عطاس، ولا لغط، ولا صياح، وإن قرءوا شيئا من القرآن، أو سمعوه كان على وجه التكلف والسخرية، كما يسمع الإنسان ما لا حاجة له به، ولا فائدة له فيه، حتى إذا ما سمعوا مزمار الشيطان أحبوا ذلك، وأقبلوا عليه وعكفت أرواحهم عليه. ا.هـ بقليل من الاختصار.

______________________

(1) أطلق عليها هذا الاسم فضيلة الشيخ عبد العزيز السدحان

(2) الصوفية يسمون النشيد بالدف : سماع ، والجماعات المعاصرة يسمونه : أناشيد إسلامية .

(3) العناوين التي بين الأقواس وضعت تسهيلاً للموضوع .

(4) قد سبق أن هذه الفتوى متضمنة قواعد شرعية فمنها ما يلي:

القاعدة الأولى/ أن الطريقة التي عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم هي الهدى ودين الحق، فمن أراد الهدى ودين الحق فليزم طريقته، وليتمسك بهديه في كل شيء لا سيّما في أكبر المهمات الدعوة إلى الله.

(5) القاعدة الثانية / أن الدين كامل فكل ما رآه الناس دينا، ولم يكن ديناً في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته مع إمكانهم التدين به فليس ديناَ.

(6) القاعدة الثالثة / أن الطريقة التي عليها رسول صلى الله عليه وسلم هي الطريق الموصلة للسعادة، وما عداها موصلة للشقاوة فمن أراد السعادة فليزم طريقته.

(7) القاعدة الرابعة / أن المرجع في تميز الحق من الباطل الكتاب والسنة

(8) مسلم في الإمارة (1844/46)

نقله لكم بشيء من الاختصار

www.aborashed.com

من مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ( 11 / 620 )