أسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يتولاك في الدنيا والآخرة ، وأن يجعلك مباركاً أينما كنت ، وأن يجعلك ممن إذا أُعطي شكر ، وإذا ابتُلي صبر ، وإذا أذنب استغفر ، فإن هؤلاء الثلاث عنوان السعادة.

ليس كل ما يُعلم مما هو حق يُطلب نشره


ليس كل ما يُعلم مما هو حق يُطلب نشره
للإمام أبي إسحاق الشاطبي (ت 790)
ليس كل ما يُعلم مما هو حق يطلب نشره، وإن كان من علم الشريعة، ومما يفيد علمًا بالأحكام، بل ذلك ينقسم؛ فمنه ما هو مطلوب النشر، وهو غالب علم الشريعة، ومنه ما لا يطلب نشره بإطلاق، أو لا يطلب نشره بالنسبة إلى حال أو وقت أو شخص.
ومن ذلك تعيين هذه الفرق [أي: الثنتين والسبعين فرقة]؛ فإنه وإن كان حقًّا فقد يثير فتنة، كما تبين تقريره؛ فيكون من تلك الجهة ممنوعًا بثه.
ومن ذلك علم المتشابهات والكلام فيها، فإن الله ذم من اتبعها، فإذا ذكرت وعرضت للكلام فيها، فربما أدى ذلك إلى ما هو مستغنى عنه، وقد جاء في الحديث عن علي: « حدِّثوا الناسَ بما يفهمون، أتريدون أن يكذَّبَ اللهُ ورسوله؟ » [البخاري (127): باب من خصَّ بالعلم قوماً دون قوم كراهية أن لا يفهموا].
وفى "الصحيح" عن معاذ أنه عليه الصلاة والسلام قال: « يا معاذ! تدري ما حق الله على العباد، وما حق العباد على الله ... » الحديث إلى أن قال: قلت: يا رسول الله! أفلا أبشر الناس؟ قال: « لا تبشرهم فيتكلوا » [البخاري (397)].
وفى حديث آخر عن معاذ في مثله قال: « يا رسول الله! أفلا أخبر بها فيستبشروا؟ » فقال: « إذاً يتكلوا » [البخاري (128)]. قال أنس: فأخبر بها معاذ عند موته تأثمًا »  ...
وحديث ابن عباس عن عبد الرحمن بن عوف؛ قال: « لو شهدت أمير المؤمنين أتاه رجل، فقال: إن فلانًا يقول: لو مات أمير المؤمنين لبايعنا فلانًا. فقال عمر: « لأقومَنَّ العشيَّةَ فأحذِّر هؤلاء الرهط الذين يريدون أنْ يغصبوهم ».
قلت: « لا تفعل، فإن الموسم يجمع رَعاعَ الناس ويغلبون على مجلسك، فأخاف أن لا ينزلوها على وجهها؛ فيطيروا بها كل مُطَيِّر، وأمهل حتى تقدم المدينة دار الهجرة ودار السنة، فتخلُص بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من المهاجرين والأنصار، ويحفظوا مقالتك ويُنزِّلوها على وجهها». فقال: « والله لأقومَنَّ به في أول مَقام أقومه بالمدينة » [البخاري (7323)] الحديث.
ومنه أن لا يذكر للمبتدئ من العلم ما هو حظ المنتهي، بل يربِّي بصغار العلم قبل كباره، وقد فرض العلماء مسائل مما لا يجوز الفتيا بها وإن كانت صحيحة في نظر الفقه، كما ذكر عز الدين بن عبد السلام في مسألة الدور في الطلاق، لما يؤدي إليه من رفع حكم الطلاق بإطلاق، وهو مفسدة.
من ذلك سؤال العوام عن علل مسائل الفقه وحِكَم التشريعات، وإن كان لها علل صحيحة وحِكَم مستقيمة، ولذلك أنكرت عائشة على من قالت: لِمَ تقضي الحائض الصوم ولا تقضي الصلاة؟ وقالت لها: « أحروية أنت؟ » [البخاري (321)] وقد ضرب عمر بن الخطاب صبيغًا وشرد به لما كان كثير السؤال عن أشياء من علوم القرآن لا يتعلق بها عمل، وربما أوقع خبالاً وفتنة وإن كان صحيحًا، وتلا قوله تعالى: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا [عبس: 31]. فقال: هذه الفاكهة؛ فما الأبُّ؟ ثم قال: « ما أمرنا بهذا ».
إلى غير ذلك مما يدل على أنه ليس كل علم يبث وينشر وإن كان حقًا. وقد أخبر مالك عن نفسه أن عنده أحاديث وعلمًا ما تكلم فيها ولا حدَّث بها، وكان يكره الكلام فيما ليس تحته عمل، وأخبر عمن تقدَّمه أنهم كانوا يكرهون ذلك، فتنبه لهذا المعنى.
وضابطه:
أنك تعرض مسألتك على الشريعة، فإن صحت في ميزانها؛ فانظر في مآلها بالنسبة إلى حال الزمان وأهله، فإن لم يؤد ذكرها إلى مفسدة؛ فاعرضها في ذهنك على العقول، فإن قبلتها؛ فلك أن تتكلم فيها إما على العموم إن كانت مما تقبلها العقول على العموم، وإما على الخصوص إن كانت غير لائقة بالعموم، وإن لم يكن لمسألتك هذا المساغ، فالسكوت عنها هو الجاري على وفق المصلحة الشرعية والعقلية.
نقله لكم باختصار
من كتاب الموافقات ( 5 / 167 )

-۞ أقرأ أيضاً ::
الإمام ابن قيم الجوزية
الإمام ابن قيم الجوزية
الإمام ابن قيم الجوزية
الإمام ابن قيم الجوزية
الإمام ابن قيم الجوزية
الإمام الآجري
الحافظ ابن رجب الحنبلي
-

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق