أسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يتولاك في الدنيا والآخرة ، وأن يجعلك مباركاً أينما كنت ، وأن يجعلك ممن إذا أُعطي شكر ، وإذا ابتُلي صبر ، وإذا أذنب استغفر ، فإن هؤلاء الثلاث عنوان السعادة.

ورثة الأنبياء وقرة عين الأولياء


ورثة الأنبياء وقرة عين الأولياء
للإمام أبي بكر محمد بن الحسين الآجري (ت 360)
إن الله عز وجل، وتقدست أسماؤه، اختص من خلقه من أحب، فهداهم للإيمان، ثم اختص من سائر المؤمنين من أحب، فتفضل عليهم، فعلمهم الكتاب والحكمة وفقههم في الدين، وعلمهم التأويل وفضلهم على سائر المؤمنين، وذلك في كل زمان وأوان، رفعهم بالعلم وزينهم بالحلم، بهم يعرف الحلال من الحرام، والحق من الباطل، والضار من النافع، والحسن من القبيح.
فضلهم عظيم، وخطرهم جزيل، ورثة الأنبياء، وقرة عين الأولياء، الحيتان في البحار لهم تستغفر، والملائكة بأجنحتها لهم تخضع، والعلماء في القيامة بعد الأنبياء تشفع، مجالسهم تفيد الحكمة، وبأعمالهم ينزجر أهل الغفلة، هم أفضل من العبّاد، وأعلى درجة من الزهاد، حياتهم غنيمة، وموتهم مصيبة، يذكرون الغافل، ويعلمون الجاهل، لا يتوقع لهم بائقة، ولا يخاف منهم غائلة، بحسن تأديبهم يتنازع المطيعون، وبجميل موعظتهم يرجع المقصرون، جميع الخلق إلى علمهم محتاج، والصحيح على من خالف بقولهم محجاج. الطاعة لهم من جميع الخلق واجبة، والمعصية لهم محرمة، من أطاعهم رشد، ومن عصاهم عند، ما ورد على إمام المسلمين من أمر اشتبه عليه، حتى وقف فيه فبقول العلماء يعمل، وعن رأيهم يصدر، وما ورد على أمراء المسلمين من حكم لا علم لهم به فبقولهم يعملون، وعن رأيهم يصدرون، وما أشكل على قضاة المسلمين من حكم، فبقول العلماء يحكمون، وعليه يعولون، فهم سراج العباد، ومنار البلاد، وقوام الأمة، وينابيع الحكمة، هم غيظ الشيطان، بهم تحيا قلوب أهل الحق، وتموت قلوب أهل الزيغ، مثلهم في الأرض كمثل النجوم في السماء، يهتدى بها في ظلمات البر والبحر، إذا انطمست النجوم تحيروا، وإذا أسفر عنها الظلام أبصروا .
فإن قال قائل : ما دل على ما قلت ؟
قيل له : الكتاب ، ثم السنة .
فإن قال : فاذكر منه، إذا ما سمعه المؤمن، سارع في طلب العلم، ورغب فيما رغبه الله عز وجل، ورسوله صلى الله عليه وسلم.
قيل له : أما دليل القرآن فإن الله عز وجل قال: ﴿ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ، فوعد الله عز وجل المؤمنين أنه يرفعهم، ثم خص العلماء منهم بفضل الدرجات.
وقال الله عز وجل: ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ فأعلم خلقه أنه إنما يخشاه العلماء به.
وقال عز وجل : ﴿ يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ .
وقال عز وجل : ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ .
قال مجاهد في تفسير الحكمة: الفقه والعقل وإصابة القول في غير نبوة.
وقال عز وجل : ﴿ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ .
وقال عز وجل : ﴿ لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ يقال: فقهاؤهم وعلماؤهم .
وقال عز وجل : ﴿ وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ .
وقال عز وجل : ﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا إلى قوله: ﴿ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا .
قال محمد بن الحسين : وهذا النعت ونحوه في القرآن، يدل على فضل العلماء، وأن الله عز وجل جعلهم أئمة للخلق يقتدون بهم.
عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ولفضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، إن العلماء ورثة الأنبياء، إن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، إنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر ». رواه أبو داود
وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « ما عبد الله بشيء أفضل من فقه في دين، ولفقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد، ولكل شيء عماد، وعماد الدين الفقه » رواه الترمذي
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين » رواه البخاري
قال محمد بن الحسين : فلما أراد الله تعالى بهم خيرا، فقههم في دينه، وعلمهم الكتاب والحكمة، وصاروا سرجا للعباد، ومنارا للبلاد.
وعن أنس بن مالك رضي الله قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: « إن مثل العلماء في الأرض كمثل نجوم السماء، يهتدى بها في ظلمات البر والبحر، فإذا انطمست النجوم يوشك أن تضل الهداة » رواه أحمد
وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال : « مثل العلماء في الناس كمثل النجوم في السماء يهتدى بها »
قال محمد بن الحسين : فما ظنكم ـ رحمكم الله ـ بطريق فيه آفات كثيرة، ويحتاج الناس إلى سلوكه في ليلة ظلماء، فإن لم يكن فيه مصباح وإلا تحيروا، فقيض الله لهم فيه مصابيح تضيء لهم، فسلكوه على السلامة والعافية، ثم جاءت طبقات من الناس لابد لهم من السلوك فيه، فسلكوا، فبينما هم كذلك، إذ طفئت المصابيح، فبقوا في الظلمة، فما ظنكم بهم؟ هكذا العلماء في الناس لا يعلم كثير من الناس كيف أداء الفرائض، وكيف اجتناب المحارم، ولا كيف يعبد الله في جميع ما يعبده به خلقه، إلا ببقاء العلماء، فإذا مات العلماء تحير الناس، ودرس العلم بموتهم، وظهر الجهل، فإنا لله وإنا إليه راجعون مصيبة ما أعظمها على المسلمين !!
قال كعب : « عليكم بالعلم قبل أن يذهب، فإن ذهاب العلم موت أهله، موت العالم نجم طمس، موت العالم كسر لا يجبر، وثلمة لا تسد، بأبي وأمي العلماء ـ قال : أحسبه قال - : قبلتي إذا لقيتهم، وضالتي إذا لم ألقهم، لا خير في الناس إلا بهم » رواه الدارمي
عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « إن الله عز وجل لا يقبض العلم انتزاعا، إنما يقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رءوسا جهالا، فسئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا ». رواه البخاري
وروي عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أنه قال : « تعلموا العلم، فإن تعلمه لله خشية، وطلبه عبادة، ومدارسته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وتعليمه لمن لا يعلم صدقة، وبذله لأهله قربة، لأنه معالم الحلال والحرام، والأنيس في الوحشة، والصاحب في الخلوة، والدليل على السراء والضراء، والزين عند الأخلاء، والقرب عند الغرباء، يرفع الله به أقواما، فيجعلهم في الخلق قادة يقتدى بهم، وأئمة في الخلق تقتص آثارهم، وينتهى إلى رأيهم، وترغب الملائكة في حبهم، بأجنحتها تمسحهم، حتى كل رطب ويابس لهم مستغفر، حتى حيتان البحر وهوامه، وسباع البر وأنعامه، والسماء ونجومها، لأن العلم حياة القلوب من العمى، ونور الأبصار من الظلم، وقوة الأبدان من الضعف، يبلغ به العبد منازل الأحرار، ومجالسة الملوك، والدرجات العلى في الدنيا والآخرة، والفكر به يعدل بالصيام، ومدارسته بالقيام، به يطاع الله عز وجل، وبه يعبد الله عز وجل، وبه توصل الأرحام، وبه يعرف الحلال من الحرام، إمام العمل، والعمل تابعه، يلهمه السعداء، ويحرمه الأشقياء ».

عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: « ما سلك عبد طريقا يقتبس فيه علما إلا سلك به طريقا إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضى عنه، وإنه ليستغفر للعالم من في السموات، ومن في الأرض، حتى الحيتان في البحر ». رواه أبو داود والترمذي وصححه الألباني
صفوان بن عسال المرادي رضي الله تعالى عنه قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله، إني جئت أطلب العلم فقال : « مرحبا يا طالب العلم، إن طالب العلم لتحفه الملائكة، وتظله بأجنحتها، ثم يركب بعضهم بعضا، حتى يبلغوا سماء الدنيا من حبهم لما يطلب ». رواه ابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله وصححه الألباني في الصحيحة برقم : 3397
عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « من خرج في طلب العلم، فهو في سبيل الله، حتى يرجع ». رواه الترمذي
قال محمد بن الحسين : فالعلماء، في كل حال، لهم فضل عظيم في خروجهم لطلب العلم، وفي مجالستهم لهم فيه فضل، وفي مذاكرة بعضهم لبعض لهم فيه فضل، وفيمن تعلموا منه العلم لهم فيه فضل، وفيمن علموه العلم لهم فيه فضل، فقد جمع الله للعلماء الخير من جهات كثيرة، نفعنا الله وإياهم بالعلم.
عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال : « العالم والمتعلم في الأجر سواء، وسائر الناس همج لا خير فيهم ».
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : « معلم الخير ومتعلمه، يستغفر لهم كل شيء، حتى الحوت في البحر ».
قال محمد بن الحسين : قد اختصرت من فضل العلماء ، وما خصهم الله عز وجل به على سائر المؤمنين ما فيه بلاغ لمن تدبره ، فألزم نفسه الطلب للعلم ، ليكون معهم ، وذلك بتوفيق الله عز وجل ، .. والله ولي التوفيق.
نقله لكم باختصار
من كتاب "أخلاق العلماء" ص 14 – 48

-۞ أقرأ أيضاً ::
-

هناك تعليقان (2):

  1. مدونتك مفيدة أخى الكريم والله وحده المسئول أن يجعلها خالصة له وحده ليس لمخلوق فيها نصيب.

    ردحذف
  2. بارك الله فيك وجزاك الله خيراً، وزادك من فضله وعميم كرمه

    ردحذف