أسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يتولاك في الدنيا والآخرة ، وأن يجعلك مباركاً أينما كنت ، وأن يجعلك ممن إذا أُعطي شكر ، وإذا ابتُلي صبر ، وإذا أذنب استغفر ، فإن هؤلاء الثلاث عنوان السعادة.

الهوة الكبيرة : الاغترار بالكثرة والنفرة من الأقل


الهوة الكبيرة :
الاغترار بالكثرة والنفرة من الأقل
للإمام المجدد شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب   أجزل الله له الأجر والثواب
روى ابن وضاح بإسناده عن حذيفة: أنه أخذ حصاة بيضاء، فوضعها في كفه، ثم قال: إن هذا الدين قد استضاء استضاءة هذه الحصاة. ثم أخذ كفاً من تراب، فجعل يذره على الحصاة حتى واراها، ثم قال: والذي نفسي بيده، ليجيئن أقوام يدفنون هذا الدين، كما دفنت هذه الحصاة.
قال: أخبرنا محمد بن سعيد، بإسناده عن أبي الدرداء قال: «لو خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم اليوم إليكم، ما عرف شيئا مما كان عليه هو وأصحابه، إلا الصلاة»
قال الأوزاعي [ت:157]: فكيف لو كان اليوم؟
قال: عيسى - يعني: الراوي عن الأوزاعي-: فكيف لو أدرك الأوزاعي هذا الزمان؟
وأخبرنا: محمد بن سليمان، بإسناده عن علي رضي الله عنه قال: " تعلموا العلم تعرفوا به، واعملوا به تكونوا من أهله، فإنه سيأتي بعدكم زمان، ينكر الحق فيه تسعة أعشارهم".
أخبرنا يحيى بن يحيى، بإسناده عن أبي سهيل ابن مالك، عن أبيه، أنه قال: " ما أعرف شيئا مما أدركت عليه الناس، إلا النداء بالصلاة ".
حدثني إبراهيم بن محمد، بإسناده عن أنس رضي الله  عنه، قال: " ما أعرف منكم شيئا كنت أعهده على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس قولكم لا إله إلا الله "
أخبر أسد، بإسناده عن الحسن [ت:110]، قال: " لو أن رجلا أدرك السلف الأول، ثم بعث اليوم، ما عرف من الإسلام شيئا. قال: ووضع يده على خده، ثم قال: إلا هذه الصلاة. ثم قال: أما والله لمن عاش في هذه النكرى، ولم يدرك هذا السلف الصالح، فرأى مبتدعا يدعو إلى بدعته، ورأى صاحب دنيا يدعو إلى دنياه، فعصمه الله عن ذلك، وجعل قلبه يحن إلى ذكر هذا السلف الصالح، ويقتص آثارهم، ويتبع سبيلهم، ليعوض أجرا عظيما؛ فكذلك كونوا إن شاء الله ".
وحدثني: عبد الله بن محمد، بإسناده عن ميمون بن مهران [ت:117]، قال: " لو أن رجلا نشر فيكم من السلف، ما عرف فيكم غير هذه القبلة "
أخبرنا: محمد بن قدامة، بإسناده عن أم الدرداء، قالت: " دخل علي أبو الدرداء مغضبا، فقلت له ما أغضبك؟ فقال: والله ما أعرف فيهم من أمر محمد صلى الله عليه وسلم شيئا، إلا أنهم يصلون جميعا " وفي لفظ: " لو أن رجلا تعلم الإسلام وأهمله، ثم تفقده ما عرف منه شيئا ".
حدثني إبراهيم، باسناده عن عبد الله بن عمرو، قال: " لو أن رجلين من أوائل هذه الأمة، خليا بمصحفيهما في بعض هذه الأودية، لأتيا الناس اليوم، ولا يعرفان شيئا مما كانا عليه " قال مالك: وبلغني أن أبا هريرة رضي الله عنه تلا: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} فقال: " والذي نفس بيده: إن الناس ليخرجون اليوم من دينهم أفواجا، كما دخلوا فيه أفواجا".
قف تأمل! رحمك الله: إذا كان هذا في زمن التابعين، بحضرة أواخر الصحابة، فكيف يغتر المسلم بالكثرة، أو يشكل عليه، ولا يستدل بها على الباطل.
ثم روى ابن وضاح، بإسناده عن أبي أمية، قال: "أتيت أبا ثعلبة الخشني، فقلت: يا أبا ثعلبة كيف تصنع في هذه الآية؟ قال: أية آية؟ قلت: قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ } قال: أما والله لقد سألت عنها خبيرا. سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «بل ائتمروا بالمعروف، وتناهوا عن المنكر، حتى إذا رأيت شحا مطاعا، وهوى متبعا، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بنفسك، ودع أمر العوام؛ فإن من ورائكم أياما، الصبر فيهن مثل قبض على الجمر، للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلا، يعملون مثل عمله». قيل: يا رسول الله، أجر خمسين منهم؟ قال: «أجر خمسين منكم».
ثم روى بإسناده، عن عبد الله بن عمرو، رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «طوبى للغرباء، ثلاثا». قالوا: يا رسول الله، وما الغرباء؟ قال: «ناس صالحون قليل، في أناس كثير؛ من يبغضهم أكثر ممن يحبهم».
أخبرنا محمد بن سعيد بإسناده، عن المعافري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «طوبى للغرباء، الذين يتمسكون بكتاب الله حين ينكر، ويعملون بالسنة حين تطفأ».
أخبرنا أسد، بإسناده عن سالم بن عبد الله، عن أبيه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «بدأ الإسلام غريبا، ولا تقوم الساعة حتى يكون غريبا؛ فطوبى للغرباء حين يفسد الناس، ثم طوبى للغرباء حين يفسد الناس».
أخبرنا أسد بإسناده، عن عبد الله: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الإسلام بدأ غريبا، وسيعود غريبا كما بدأ، فطوباء للغرباء». قيل: ومَن الغرباء يا رسول الله؟ قال: «الذين يصلحون إذا فسد الناس».
هذا آخر ما نقلته من كتاب "البدع والنهي عنها" للإمام الحافظ محمد بن وضاح رحمه الله.
فتأمل رحمك الله أحاديث الغربة، وبعضها في الصحيح، مع كثرتها وشهرتها؛ وتأمل إجماع العلماء كلهم، أن هذا قد وقع في زمن طويل، حتى قال ابن القيم: الإسلام في زماننا أغرب منه في ظهوره؛ فتأمل هذا تأملا جيدا، لعلك أن تسلم من الهوة الكبيرة، التي هلك فيها أكثر الناس، وهي الاقتداء بالكثرة والسواد الأكبر، والنفرة من الأقل، فما أقل من سلم منها، ما أقله! ما أقله! ما أقله!
ولنختم ذلك بالحديث الصحيح، الذي أخرجه مسلم في صحيحه، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون، وأصحاب يأخذون بسنته، ويقتدون بأمره»، وفي رواية: « يهتدون بهديه، ويستنون بسنته. ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف، يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون؛ فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل». انتهى ما نقلته، والحمد لله رب العالمين.
وقال محدث العصر الشيخ محمد ناصر الدين الألباني في السلسة الصحيحة:
كثرة الأتباع وقلتهم ليست معياراً لمعرفة الحق

ثم أورد حديث:
397- « مَا صُدِّقَ نَبِيٌّ مَا صُدِّقْتُ، إِنَّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ مَنْ لَمْ يُصَدِّقْهُ مِنْ أُمَّتِهِ إِلَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ ».  
ثم قال:
ويشهد للحديث ما روى ابن عباس رضي الله عنه عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : «عُرِضَتْ عليَّ الأُمَمُ، فرأيت النبيَّ ومعه الرهطُ، والنبيَّ ومعه الرجل والرجلان، والنبيَّ ليس معه أحد ... الحديث » أخرجه الشيخان وغيرهما .
وفي الحديث دليل واضح على أن كثرة الأتباع وقلتهم ليست معيارً لمعرفة كون الداعية على حق أو باطل، فهؤلاء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، مع كون دعوتهم واحدة، ودينهم واحداً، فقد اختلفوا من حيث عدد أتباعهم قلة وكثرة، حتى كان فيهم من لم يصدقه إلا رجل واحد، بل ومن ليس معه أحد.
ففي ذلك عبرة بالغة للداعية والمدعوين في هذا العصر، فالداعية عليه أن يتذكر هذه الحقيقة، ويمضي قدماً في سبيل الدعوة إلى الله تعالى، ولا يبالي بقلة المستجيبين له، لأنه ليس عليه إلا البلاغ المبين، وله أسوة حسنة بالأنبياء السابقين الذين لم يكن مع أحدهم إلا الرجل والرجلان.
والمدعوا عليه أن لا يستوحش من قلة المستجيبين للداعية، ويتخذ ذلك سبباً للشك في الدعوة الحق وترك الإيمان بها، فضلاً عن أن يتخذ ذلك دليلاً على بطلان دعوته بحجة أنه لم يتبعه أحد، أو إنما اتبعه الأقلون، ولو كانت دعوته صادقة، لاتبعه جماهير الناس، والله عز وجل يقول : ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ [يوسف 103] . أهـ.
فائدة :
وردت الكثرة في القرآن بلفظ (أكثر) في 68 آية كلها في موضع الذم، وهذا تفصيلها:
وردت بلفظ ﴿أَكْثَرَ النَّاسِ﴾ في 20 آية ؛ مثل:
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ ﴿... لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿... لا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُورًا ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ
ووردت بلفظ ﴿أَكْثَرُهُمْ﴾ في 44 آية ؛ مثل:
﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿... لا يَشْكُرُونَ﴾ ﴿... لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿... لا يَعْقِلُونَ ﴿... لا يَسْمَعُونَ ﴿... يَجْهَلُونَ﴾ ﴿... كَاذِبُونَ﴾ ﴿... لَفَاسِقِينَ﴾ ﴿... مُشْرِكِينَ ﴿... الْكَافِرُونَ ﴿... لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ ...
هذه 64 آية،
65- ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الأَوَّلِينَ
66- ﴿وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ
67- ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ
68- ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ﴾.
ووردت بلفظ﴿كَثِيرًا﴾ في 45 موضع ؛ مثل :
﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾ ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ﴾ ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾.
نقله لكم
من كتاب مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب ( 1 / 319 )
وسلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني ( 1 / 684 )

-۞ أقرأ أيضاً ::
-

هناك تعليق واحد: