أسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يتولاك في الدنيا والآخرة ، وأن يجعلك مباركاً أينما كنت ، وأن يجعلك ممن إذا أُعطي شكر ، وإذا ابتُلي صبر ، وإذا أذنب استغفر ، فإن هؤلاء الثلاث عنوان السعادة.

ذاق طعم الإيمان من رضي

ذاق طعم الإيمان من رضي
للإمام ابن قيّم الجوزية رحمه الله
قال النبي -صلى الله عليه وسلم- : « ذَاقَ طَعْمَ الإيمانِ : مَنْ رَضِيَ بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمَّدٍ رَسُولاً » رواه مسلم.
 وقال -صلى الله عليه وسلم- : « مَنْ قَالَ حِيْنَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ رَضِيتُ بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولاً، وَبِالإِسْلاَمِ دِينًا. غُفِرَ لَهُ ذَنْبُهُ » رواه مسلم.
وهذان الحديثان عليهما مدار مقامات الدين، وإليهما ينتهي. وقد تضمنا الرضى بربوبيته سبحانه، وألوهيته، والرضى برسوله والانقياد له، والرضى بدينه والتسليم له. ومن اجتمعت له هذه الأربعة: فهو الصديق حقا. وهي سهلة بالدعوى واللسان وهي من أصعب الأمور عند الحقيقة والامتحان، ولا سيّما إذا جاء ما يخالف هوى النفس ومرادها من ذلك: تبين أن الرضى كان لسانه به ناطقا. فهو على لسانه لا على حاله.
 فالرضى بإلهيته : يتضمن الرضى بمحبته وحده، وخوفه، ورجائه، والإنابة إليه، والتبتل إليه، وانجذاب قوى الإرادة والحب كلها إليه، فعل الراضي بمحبوبه كل الرضى، وذلك يتضمن عبادته والإخلاص له.
والرضى بربوبيته : يتضمن الرضى بتدبيره لعبده، ويتضمن إفراده بالتوكل عليه، والاستعانة به، والثقة به، والاعتماد عليه، وأن يكون راضيا بكل ما يفعل به.
فالأول : يتضمن رضاه بما يؤمر به
والثاني : يتضمن رضاه بما يقدر عليه
"وكثير من الناس يرضى بالله ربا ولا يبغي ربا سواه، لكنه لا يرضى به وحده وليا وناصراً. بل يوالي من دونه أولياء. ظناً منه أنهم يقربونه إلى الله، وأن موالاتهم كموالاة خواص الملك. وهذا عين الشرك. بل التوحيد: أن لا يتخذ من دونه أولياء. والقرآن مملوء من وصف المشركين بأنهم اتخذوا من دونه أولياء.
وهذا غير موالاة أنبيائه ورسله، وعباده المؤمنين فيه، فإن هذا من تمام الإيمان، ومن تمام موالاته. فموالاة أوليائه لون، واتخاذ الولي من دونه لون. ومن لم يفهم الفرقان بينهما فليطلب التوحيد من أساسه فإن هذه المسألة أصل التوحيد وأساسه.
وكثير من الناس يبتغي غيره حكما يتحاكم إليه، ويخاصم إليه، ويرضى بحكمه. وهذه المقامات الثلاث هي أركان التوحيد: أن لا يتخذ سواه رباً، ولا إلهاً، ولا غيره حكماً".
وأما الرضى بنبيه رسولا : فيتضمن كمال الانقياد له، والتسليم المطلق إليه؛ بحيث يكون أولى به من نفسه، فلا يتلقى الهدى إلا من مواقع كلماته، ولا يحاكم إلا إليه، ولا يحكم عليه غيره، ولا يرضى بحكم غيره ألبتة؛ لا في شيء من أسماء الرب وصفاته وأفعاله، ولا في شيء من أذواق حقائق الإيمان ومقاماته، ولا في  شيء من أحكام ظاهره وباطنه، لا يرضى في ذلك بحكم غيره، ولا يرضى إلا بحكمه، فإن عجز عنه كان تحكيمه غيره من باب غذاء المضطر إذا لم يجد ما يقيته إلا من الميتة والدم، وأحسن أحواله: أن يكون من باب التراب الذي إنما يتيمم به عند العجز عن استعمال الماء الطهور.
وأما الرضى بدينه : فإذا قال أو حكم أو أمر أو نهى : رضي كل الرضى، ولم يبق في قلبه حرج من حكمه، وسلم له تسليما، ولو كان مخالفاً لمراد نفسه، أو هواها، أو قول مقلده وشيخه وطائفته.
وههنا يوحشك الناس كلهم إلا الغرباء في العالم. فإياك أن تستوحش من الاغتراب والتفرد، فإنه والله عين العزة والصحبة مع الله ورسوله، وروح الأنس به، والرضى به ربا، وبمحمد رسولا، وبالإسلام دينا.
بل الصادق كلما وجد مس الاغتراب، وذاق حلاوته، وتنَسَّم روحه قال: اللهم زدني اغتراباً ووحشةً من العالم، وأنسا بك. وكلما ذاق حلاوة هذا الاغتراب، وهذا التفرد: رأى الوحشة عين الأنس بالناس، والذل عين العز بهم، والجهل عين الوقوف مع آرائهم وزبالة أذهانهم، والانقطاع: عين التقيد برسومهم وأوضاعهم. فلم يؤثر بنصيبه من الله أحداً من الخلق، ولم يَبِعْ حظه من الله بموافقتهم فيما لا يُجدي عليه إلا الحرمان. وغايته: مودةَ بينهم في الحياة الدنيا. فإذا انقطعت الأسباب، وحَقَّت الحقائق، وبُعثِرَ ما في القبور، وحُصِّل ما في الصدور، وبُليت السرائر، ولم يجد من دون مولاه الحق من قوة ولا ناصر: تبين له حينئذ مواقع الربح والخسران، وما الذي يَخِفُّ أو يرجح به الميزان، والله المستعان، وعليه التكلان.
نقله لكم
من كتاب مدراج السالكين ( 1 / 568 – 575 )
-۞ أقرأ أيضاً ::
شيخ الإسلام ابن تيمية
الإمام ابن قيم الجوزية
شيخ الإسلام ابن تيمية
الإمام ابن قيم الجوزية
الإمام ابن قيم الجوزية
-


سر الألفة

سر الألفة
للإمام أبي عبد الله ابن بطة العكبري الحنبلي المتوفى سنة ٣٨٧ هـ
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف ». متفق عليه
وقال عبد الله بن مسعود: « الأرواح جنود مجندة تلاقى، فتشام كما تشام الخيل، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف ولو أن مؤمنا دخل مسجدا فيه مائة ليس فيهم إلا مؤمن واحد لجاء حتى يجلس إليه ، ولو أن منافقا دخل مسجدا فيه مائة ليس فيهم إلا منافق واحد ، لجاء حتى يجلس إليه ».
عن الأعمش ، قال : « كانوا لا يسألون عن الرجل، بعد ثلاث: ممشاه، ومدخله، وألفه من الناس ».
وكان الأوزاعي يقول : « من ستر عنا بدعته لم تخف علينا ألفته ».
وقال الفضيل بن عياض : « الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف، ولا يمكن أن يكون صاحب سنة يمالي صاحب بدعة إلا من النفاق ».
قال ابن بطة : صدق الفضيل رحمة الله عليه، فإنا نرى ذلك عياناً.
وقيل للأوزاعي : إن رجلا يقول: أنا أجالس أهل السنة، وأجالس أهل البدع، فقال الأوزاعي : « هذا رجل يريد أن يساوي بين الحق والباطل ».
وعن ابن عمر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « مثل المنافق في أمتي كمثل الشاة العايرة بين الغنمين تصير إلى هذه مرة، وإلى هذه مرة، لا تدري أيها تتبع ».
قال ابن بطة : كثر هذا الضرب من الناس في زماننا هذا، لا كثرهم الله، وسلمنا وإياكم من شر المنافقين، وكيد الباغين، ولا جعلنا وإياكم من اللاعبين بالدين، ولا من الذين استهوتهم الشياطين، فارتدوا ناكصين ، وصاروا حائرين.
عن ميمون بن مهران، قال : لقي سلمان رجلا، فقال : « أتعرفني ؟ قال: لا، ولكن عرف روحي روحك ».
وكان محمد بن عبيد الله الغلابي ، يقول : كان يقال : « يتكاتم أهل الأهواء كل شيء إلا التآلف والصحبة ».
قال الأوزاعي : « يُعرف الرجل في ثلاثة مواطن : بألفته، ويعرف في مجلسه، ويعرف في منطقه ».
قال أبو حاتم : وقدم موسى بن عقبة الصوري بغداد، فذُكر لأحمد بن حنبل، فقال: « انظروا على من نزل ، وإلى من يأوي ».
وعن يحيى بن سعيد القطان، قال:  لما قدم سفيان الثوري البصرة: جعل ينظر إلى أمر الربيع - يعني ابن صبيح - وقدره عند الناس، سأل: أي شيء مذهبه؟ قالوا: ما مذهبه إلا السنة قال: من بطانته؟ قالوا: أهل القدر قال: هو قدري.
قال ابن بطة: رحمة الله على سفيان الثوري، لقد نطق بالحكمة، فصدق، وقال بعلم فوافق الكتاب والسنة، وما توجبه الحكمة ويدركه العيان ويعرفه أهل البصيرة والبيان، قال الله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم}
وعن ابن شوذب قال : « من نعمة الله على الشاب والأعجمي إذا نسكا أن يوفقا لصاحب سنة يحملهما عليها، لأن الأعجمي يأخذ فيه ما يسبق إليه ».
وكان عمرو بن قيس الملائي يقول : « إذا رأيت الشاب أول ما ينشأ مع أهل السنة والجماعة فارجه، فإذا رأيته مع أهل البدع فايأس منه، فإن الشاب على أول نشئه » وقال : « إن الشاب لينشأ، فإن آثر أن يجالس أهل العلم كاد أن يسلم، وإن مال إلى غيرهم كاد أن يعطب ».
قال ابن بطة : فرحم الله أئمتنا السابقين، وشيوخنا الغابرين، فلقد كانوا لنا ناصحين، وجمعنا وإياهم مع النبيين، والصديقين، والشهداء، والصالحين، وحسن أولئك رفيقا، ولا جعلنا من الأئمة المضلين، ولا ممن خلف محمدا صلى الله عليه وسلم في أمته بمخالفته، وجاهده لمحاربته، والطعن على سنته، وشتم صحابته، ودعا الناس بالغش لهم إلى الضلال، وسوء المقال.
مختصر من كتاب :
" الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية ومجانبة الفِرق المذمومة "
للإمام أبي عبد الله ابن بطة العكبري الحنبلي المتوفى سنة ٣٨٧ هـ
باب "التحذير من صحبة قوم يمرضون القلوب ويفسدون الإيمان"
المجلد الأول ص ١٣١ – ١٦٢

-۞ أقرأ أيضاً ::
الإمام محمد بن عبد الوهاب
الإمام محمد بن عبد الوهاب
الإمام ابن قيم الجوزية
الإمام ابن قيم الجوزية
شيخ الإسلام ابن تيمية
الإمام ابن قيم الجوزية
الإمام ابن قيم الجوزية
أئمة الإسلام
-